يوسف زيدان

99

إعادة اكتشاف ابن نفيس

ولما كان الأمر يقتضى التثبّت من انطباق هذه المبادئ العامة على الحالات الجزئية ، فهنا يأتي دور التجربة . . ومع ذلك ، فإن العلاء ( ابن النفيس ) يشير في أحيان كثيرة إلى ما يسميه القياس الواحد وهو عنده بمثابة البديهية التي لا تحتاج لأي تجريب كي تثبت ، وإنما هي سابقة في العقل قبل التجربة ، فمن ذلك القياس الأول عنده أن الاستفراغ يكون من الجهة التي تكون المادة إليها أميل . لكن ثقة العلاء ( ابن النفيس ) بالتجربة ، كانت أعلى من ثقته بنتائج القياس ، ولهذا نراه في كثير من المسائل يعتد بالتجربة لا بالقياس . . فمن ذلك عملية التعرف على آثار الدواء المركب ، حيث نراه يقول : الدواء المركب قد تحدث له صورة نوعية تصدر عنها آثار مغايرة للآثار التي تقتضيها مفرداته ، وتلك الآثار إنما يوقف عليها من التجربة ، ولا تعرف بطريق القياس البتة . . وقد تكون الآثار الحادثة عن الجملة خفية عن القياس ، ولذلك فإن الدواء المركّب قد يكون نافعا ، وإن كان كلّ واحد من بسائطه شديد الضرر ، وقد يكون بالعكس من ذلك . . فلهذا كان المجرّب من الأدوية ، خيرا من غير المجرّب ، وما هو مشهور من المركبات فهو خير من الغريب ؛ لأن المشهور لم يشهر إلّا وقد جرّب كثيرا « 1 » . كما فهم العلاء ( ابن النفيس ) الاستقراء واستخدامه ، بمعناه الأرسطى : الحكم على الكلّى بما يوجد في جزئيات ، فكان الاستقراء عنده مقابلا من الناحية المنهجية للقياس ، فإذا كان القياس انتقالا من مقدمة - أو مقدمات - كلية إلى نتيجة جزئية . . فالاستقراء عنده وصول إلى قاعدة كلية استنادا لحالات جزئية . وقد توسّع العلاء ( ابن النفيس ) في تطبيق الاستقراء بشكل ملحوظ ، حتى إننا كثيرا ما نقابل في مؤلفاته عبارة : وقد دلّ الاستقراء على أن . . ومن ذلك ما نراه عند محاولته تحديد نوبات البحران « 2 » Crises باستقراء أحوال الطبيعة الخارجية . .

--> ( 1 ) ابن النفيس : المهذب في الكحل المجرب ، ص 203 . ( 2 ) هو التحول الملحوظ في الحالات المرضية .